
ديوجين والإسكندر الكبير
لقد علق هذا النص في ذهني منذ اول مرة قرأته في كتاب يتحدث عن تاريخ الفلسفة وهو عالم صوفي - الذي اقتبست منه في الموضوع السابق - . وقد جاء في مقدمته من خلال الحكمة التي حكاها غوتة : الذي لا يعرف دروس الثلاثة الالف سنة الاخيرة يبقى في العتمة . وبينما أتصفح العهود الأولى للفلسفة وأيام سقراط وافلاطون وارسطو , كانت مادة جميلة تتحدث عن احد ثمار عهد ثلاثة الفلاسفة الأكثر شهر من بين فلاسفة اليونان أما الثمرة فهي جماعة الكلبيون.
كانت كلمة السر عند هذه الجماعة هي موقف سقراط عندما وقف امام حانوت يعرض بضائع مختلفة فصرخ قائلاً : كم من الأشياء التي لا أحتاجها . وهكذا كان الكلبيون يركزون على ان السعادة لا تأتي من الأشياء الخارجية كالرفاه المادي والسلطة والصحة بل ان السعادة تكمن في التوصل الى الإستقلال عن هذه الظروف الخارجية العابرة والمتقلبة . وبهذا فإن السعادة في متناول الجميع ولكنها لا تأتي إلا بالطريق التي يرونها !
وأما ديوجيون الذي ظهر في العنوان فهو اشهر فلاسفة الكلبيين .. ولديوجين حكاية رائعة ، في كيفية الإقتناع بأنه السعادة لا ترتبط بتلك الظواهر المادية .. وإليكم الحكاية :
يقال أن الاسكندر الكبير( ملك مقدونيا وأحد عباقرة الحرب في كل العصور) مر يوماً بديوجين فوجده جالساً في برميله يستحم بأشعة الشمس، فوقف الاسكندر أمامه قائلاً:
- أنا الملك الإسكندر الكبير..
- وأنا ديوجين الكلبي..
- ألست خائفاً مني؟؟
- هل أنت رجل صالح أم شرير؟؟
- بل أنا رجل صالح..
- ومن يخاف من الصالح إذاً!!
ثم سأله الاسكندر: هل تعيش في هذا البرميل فقط لكي تلفت انتباه الناس وإعجابهم بك؟؟؟
قال ديوجين: وهل فعلاً تريد أنت فتح بلاد فارس وتوحيد كل بلاد الإغريق.. أم تفعل ذلك فقط لتنال الإعجاب؟؟؟
ابتسم الاسكندر وقال: هذا برميل مليء بالحكمة..
فقال ديوجين: أتمنى لو كان لدي بدل هذا البرميل المليء بالحكمة.. نقطة واحدة من الحظ الجيد..
للحكمة طعم مر.. وأحياناً تودي بك إلى الهلاك.. بينما الحظ يفتح لك أبواباً ويحقق لك سعادة ما كنت تحلم بها!!!
أعجب الإسكندر.. الذي يعرف جيداً معنى الحظ.. بكلام ديوجين ، ثم أخبره أن يطلب منه ما يشاء ليلبيه له..
فأجابه ديوجين بهدوء : أريد منك شيئاً واحداً...
إنك الآن تقف أمامي وتحجب عني أشعة الشمس..
لذا لا تحرمني من الشيء الوحيد الذي لا تستطيع منحي إياه...
لا تحجب شمسي بظلك!!
كم مرة وقفنا مع انفسنا لنقول : الحمدلله على كل حال ؟؟ كم مرة رأينا جارنا يركب مركبة احسن من مركبتنا ولم نتطلع لتكون عندنا مثل مركبته ؟ وكم مرة نظرنا للبيوت من حولنا ولم نحلم بمثلها ؟ .. كم مرة وقفنا امام حانوت وقلنا كم من الأشياء لا نحتاج ؟ !!
عالم صوفي ، ص 141